أبي حيان الأندلسي
21
البحر المحيط في التفسير
الآية إذا كان أصحابها بصراء . وقرأ قتادة وعليّ بن الحسين مُبْصِرَةً بفتح الميم ، والصاد وهو مصدر أقيم مقام الاسم ، وكثر مثل ذلك في صفات الأمكنة كقولهم : أرض مسبعة ومكان مضبة ، وعلل المحو والإبصار بابتغاء الفضل وعلم عدد السنين والحساب ، وولى التعليل بالابتغاء ما وليه من آية النهار وتأخر التعليل بالعلم عن آية الليل . وجاء في قوله : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ « 1 » البداءة بتعليل المتقدم ثم تعليل المتأخر بالعلة المتأخرة ، وهما طريقان تقدم الكلام عليهما . ومعنى لِتَبْتَغُوا لتتوصلوا إلى استبانة أعمالكم وتصرفكم في معايشكم وَالْحِسابَ للشهور والأيام والساعات ، ومعرفة ذلك في الشرع إنما هو من جهة آية الليل لا من جهة آية النهار وَكُلَّ شَيْءٍ مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم فَصَّلْناهُ بيناه تبيينا غير ملتبس ، والظاهر أن نصب وَكُلَّ شَيْءٍ على الاشتغال ، وكان ذلك أرجح من الرفع لسبق الجملة الفعلية في قوله : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وأبعد من ذهب إلى أن وَكُلَّ شَيْءٍ معطوف على قوله : وَالْحِسابَ والطائر . قال ابن عباس : ما قدّر له وعليه ، وخاطب اللّه العرب في هذه الآية بما تعرف إذ كان من عادتها التيمّن والتشاؤم بالطير في كونها سانحة وبارحة وكثر ذلك حتى فعلته بالظباء وحيوان الفلاة ، وسمي ذلك كله تطيرا . وكانت تعتقد أن تلك الطيرة قاضية بما يلقى الإنسان من خير وشر ، فأخبرهم اللّه تعالى في أوجز لفظ وأبلغ إشارة أن جميع ما يلقى الإنسان من خير وشر فقد سبق به القضاء وألزم حظه وعمله ومكسبه في عنقه ، فعبر عن الحظ والعمل إذ هما متلازمان بالطائر قاله مجاهد وقتادة بحسب معتقد العرب في التطير ، وقولهم في الأمور على الطائر الميمون وبأسعد طائر ، ومنه ما طار في المحاصة والسهم ، ومنه فطار لنا من القادمين عثمان بن مظعون أي كان ذلك حظنا . وعن ابن عباس : طائِرَهُ عمله ، وعن السدّي كتابه الذي يطير إليه . وعن أبي عبيدة : الطائر عند العرب الحظ وهو الذي تسميه البخت . وعن الحسن : يا ابن آدم بسطت لك صحيفة إذا بعثت قلدتها في عنقك ، وخص العنق لأنه محل الزينة والشين فإن كان خيرا زانه كما يزين الطوق والحلي ، وإن كان شرا شأنه كالغل في الرقبة . وقرأ مجاهد والحسن وأبو رجاء طيره . وقرئ : فِي عُنُقِهِ بسكون النون . وقرأ الجمهور ومنهم أبو جعفر :
--> ( 1 ) سورة القصص : 28 / 73 .